الشيخ محمد رشيد رضا

209

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

باختلاف الأوقات والأحوال من القوة والضعف وغير ذلك . وهذا غير ما حظره السلف من مخالفة الاجماع الذي كانوا يعنون به ما جرى عليه الصحابة وكذا التابعون من هدي الدين بغير خلاف يصح عن أحد من علمائهم . وظاهر كلام الشافعي في رسالته ان هذا هو الاجماع الذي يعتد به وأرى أن أحمد كان على هذا ومن البديهي انه لا يعقل أن يتفق أهل العصر الأول على أمر ديني ولا يكون له أصل في الدين ، وأين هذا مما يعزى إلى المجتهدين بعدهم من قول أو سكوت مما لم يكن معروفا في خير القرون ، ولا سيما إذا لم يوافقهم عليه سائر المسلمين وقد احتجوا على دعوى عدم جواز مضادة الإجماع لاجماع قبله بحديث « لا تجتمع أمتي على ضلالة » والحديث رواه أحمد والطبراني في الكبير مرفوعا ، والحاكم في مسنده عن ابن عباس بلفظ لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة . وجاء المرفوع بلفظ « سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة وأعطانيها » والحديث لا يدل على ذلك لا في إجماع جمهور الأصوليين المتأخرين الذي لا يصدق عليه انه إجماع الأمة ولا في غيره لان الاجماع يكون عن اجتهاد والمخطئ في اجتهاده لا يعد ضالا وانما يعد عاملا بما وجب عليه وان ظهر له خطأ اجتهاده بعد ذلك كمن يجتهد في القبلة ويصلي عدة صلوات ثم يظهر أن اجتهاده كان خطأ فان صلاته صحيحة . فهذا هو الحكم في العبادة التي لا تختلف أحكامها كما تختلف المصالح القضائية والسياسية التي يجرى فيها الاجتهاد العام والاجماع . وذكر في جمع الجوامع ان مضادة الاجماع لاجماع قبله فيه خلاف أبي عبد اللّه البصري الذي يرى أن الاجماع الأول مغيّا بوجود الثاني . وفي المسودة عن ابن عقيل الحنبلي قال : يجوز ترك ما ثبت وجوبه بالاجماع إذا تغيرت حاله مثل الاجماع على جواز الصلاة بالتيمم فإذا وجد الماء فيها ( أي وهو في الصلاة ) خرج منها بل وجب وبه قالت الحنفية وقال بعض الشافعية لا ينتقل من الاجماع إلا باجماع مثله . وهذا الذي ذكره يقتضي جواز مخالفته بدليل شرعي غير الاجماع ويبطل قول من زعم أن الاستصحاب